يشهد النظام المالي التونسي حالياً نقلة نوعية كبرى، تتمثل في مشروع قانون جديد لقانون الصرف، يهدف إلى استبدال التشريع الحالي الذي يعود لعام 1976.

هذا المشروع، الذي يحمل رقم 2025/115 وأودع بمجلس نواب الشعب في أكتوبر 2025، قيد الدراسة حالياً من قبل لجنة المالية والميزانية بالبرلمان.

يمثل هذا الإصلاح محطة فارقة في تاريخ الاقتصاد التونسي، حيث يأتي استجابة لمتغيرات اقتصادية وتكنولوجية عميقة شهدها العالم، من ثورة المدفوعات الإلكترونية والرقمية إلى ظهور العملات المشفرة وتطور أنماط العمل الحر عن بُعد.

في هذا المقال الموجز، نقدم عرضاً موضوعياً لأهم ملامح هذا القانون الجديد، بناءً على الوثائق الرسمية والتصريحات المتاحة حتى يونيو 2026.

أولاً: لماذا التغيير الآن؟ السياق والأسباب

يخضع تنظيم الصرف في تونس حالياً لقانون عدد 18 لسنة 1976 المتعلق بقانون الصرف والتجارة الخارجية، إضافة إلى مراسيمه التطبيقية ومناشير البنك المركزي التونسي.

هذا الإطار القانوني، الذي صيغ قبل نصف قرن، أصبح – وفق تقديرات واسعة – غير ملائم للمتغيرات الاقتصادية والمالية في تونس والعالم.

الإشكاليات الرئيسية للإطار القديم:

  • التعقيد وعدم الوضوح: أدى تراكم النصوص (قانون 1976، مرسوم 1977، ومناشير البنك المركزي) إلى وضعية قانونية معقدة تولد عدم أمان قانوني.

  • عدم مواكبة التكنولوجيا: صدر القانون قبل ظهور العملات الرقمية (كبتكوين)، ومنصات الدفع الإلكتروني، واقتصاد الخدمات الرقمية.

  • عرقلة الاستثمار: يُنظر إلى نظام الترخيص المسبق الصارم كعائق أمام الاستثمار الأجنبي والمحلي على حد سواء.

لهذه الأسباب، بادر 45 نائباً بمجلس نواب الشعب بتقديم مبادرة تشريعية لوضع قانون جديد للصرف يتكون من 91 مادة موزعة على اثني عشر عنواناً.

ثانياً: الأسس والمبادئ العامة للقانون الجديد

يرتكز مشروع قانون الصرف الجديد على ثلاثة أسس رئيسية، وفقاً للوثائق الرسمية المصاحبة له:

  1. مواكبة التطورات التكنولوجية: دمج أدوات الدفع الحديثة، العملات الرقمية، ومنصات التجارة الإلكترونية في الإطار القانوني.

  2. تحرير الاقتصاد الوطني: الانتقال من نظام قائم على الرقابة والترخيص المسبق إلى نظام أكثر مرونة، مع تقييد القيود بحالات محددة وموجبة.

  3. توحيد وتبسيط النصوص: جمع مختلف القواعد القانونية (القانون، المراسيم، المناشير) في نص واحد واضح وميسر.

المبادئ الحاكمة للقانون (وفق المادة 4 من المشروع):

  • حرية المدفوعات من وإلى الخارج: تُعتبر مدفوعات العمليات الجارية من وإلى الخارج حرة، وتُضبط شروطها بمقتضى أمر حكومي.

  • دور البنك المركزي: تبقى مهمة تنفيذ قانون الصرف وتنظيم العمليات مسندة إلى البنك المركزي التونسي (المادة 3).

ثالثاً: أهم مستجدات القانون في سبع نقاط رئيسية

1. تحديد مفهوم "المقيم" و"غير المقيم" (العنوان الثاني)

من أبرز الإشكاليات في القانون القديم غياب تعريف قانوني واضح لمفهومي "المقيم" و"غير المقيم"، مما يترك مجالاً واسعاً لتقدير الإدارة.

يعالج القانون الجديد هذا الثغر بوضوح:

المقيم (Article 6 selon le projet):

  • التونسي الموجود بتونس.

  • الأجنبي الذي يقيم عادة بتونس لمدة 383 يوماً على الأقل خلال الـ365 يوماً الماضية.

  • أعوان الدولة التونسيون بالخارج، والتونسيون العائدون نهائياً إلى أرض الوطن.

غير المقيم:

  • الأجنبي المقيم عادة بالخارج، والأجنبي في مهمة دبلوماسية أو طالب أجنبي بتونس.

  • التونسي المقيم بالخارج منذ 383 يوماً على الأقل (أفراد الجالية).

هذا التحديد سيكون له انعكاسات كبيرة على الحقوق والالتزامات المرتبطة بفتح الحسابات وتحويل الأموال.

2. الانتقال إلى نظام الحرية المُقنّنة (العنوان الثالث)

يكرس مشروع القانون مبدأ حرية المدفوعات من وإلى الخارج بالنسبة للعمليات الجارية (كالتحويلات العائلية، فواتير الخدمات، التجارة).

يتم الانتقال من منطق "الترخيص المسبق" إلى منطق "المراقبة اللاحقة" التي يضمنها البنك المركزي.

هذا يعني:

  • الاستثناء كقاعدة: الترخيص المسبق لم يعد مطلوباً لكل عملية، بل يقتصر على حالات محددة ينص عليها القانون بوضوح (كالتعويضات، تغيير وضعية الإقامة لشخص معنوي).

  • توسيع الحرية: يشمل ذلك الاستثمار في العملات الأجنبية، تحويل دخل الاستثمارات، تمويل الاستثمار بالخارج من قبل أشخاص معنويين مقيمين.

3. فتح الحسابات بالعملة الأجنبية للمقيمين بحرية

أحد أبرز ملامح الإصلاح هو السماح لجميع المقيمين التونسيين بفتح حسابات بالعملة الأجنبية أو بالدينار القابل للتحويل، دون الحاجة إلى ترخيص مسبق من البنك المركزي.

مصادر تمويل هذه الحسابات:

  • المداخيل والعائدات من العمل الحر عن بُعد (فريلانس) عبر منصات إلكترونية دولية.

  • تحويلات التونسيين بالخارج (الجالية).

  • الأجور المحصلة في الخارج للمهمات الرسمية.

  • فوائد وأرباح الشركات المصدرة.

هذه الخطوة تستهدف تحديداً شريحة واسعة من الشباب التونسي العامل لحسابه الخاص مع شركات أجنبية، والذين كانوا يواجهون صعوبات في استلام مستحقاتهم بشكل قانوني.

4. تنظيم العملات الرقمية والأصول الرقمية (العنوان الخامس)

يتضمن المشروع الجديد اعترافاً قانونياً ضمنياً بفئة "الأصول الرقمية" (كالعملات المشفرة) ويضع إطاراً للتعامل معها.

الالتزامات الجديدة (Article 24):

  • يلتزم كل شخص طبيعي تونسي مقيم، وكل شخص معنوي مقيم، بالتصريح لدى البنك المركزي ب"الأصول الرقمية" التي يملكها، متى تجاوزت قيمتها مبلغاً تحدده أحكام هذا القانون (يُحدد بقرار).

  • إعادة الأموال إلى الوطن: يفرض القانون على المقيمين إعادة كامل مداخيلهم وعائداتهم من العملات الأجنبية، بما في ذلك تلك الصادرة عن بيع أصول رقمية، إلى تونس[7].

5. تبسيط إجراءات الاستثمار وتحويل الدخل

يهدف القانون إلى جذب الاستثمارات الأجنبية من خلال تقديم ضمانات أوضح وسير إجراءات أسرع:

  • ضمان تحويل الأرباح: تقديم ضمانات قانونية أوضح للمستثمر الأجنبي بقدرته على تحويل أرباحه ورؤوس أمواله إلى الخارج.

  • آجال قانونية ملزمة: اقتراح CONECT لإدخال آجال قانونية ملزمة لمعالجة طلبات الموافقة، لمحاربة البيروقراطية.

  • تبسيط استثمارات التونسيين بالخارج: تخفيف القيود على الاستثمار المباشر للتونسيين في الخارج[1].

6. إجراءات التصالح في مخالفات الصرف

يشمل القانون الجديد آلية تصالح استثنائية لفائدة المواطنين التونسيين الذين ارتكبوا مخالفات لقانون الصرف في الماضي، خاصة فئتين:

  • الطلبة الذين درسوا بالخارج.

  • العمال التونسيين الذين قضوا سنوات طويلة خارج البلاد.

يمكن لهؤلاء إعادة مداخيلهم إلى تونس وفتح حسابات بالعملة أو الدينار، لتقنين وضعهم المالي.

مع استبعاد قضايا الإرهاب وتمويله وغسل الأموال من هذا التصالح.

7. لا مناصفة كاملة، ولا خوف على الاحتياطي (وجهات النظر)

  • لا "تحرير كامل" للصرف: القانون الجديد ليس قانون "تحرير كامل" للصرف، بل هو "تحديث وتنظيم مع مرونة".

    تبقى للدولة والب كنت المركزي أدوات الرقابة لحماية التوازنات المالية.

  • تأثير إيجابي متوقع: يتوقع رئيس لجنة المالية بالبرلمان، ماهر كتاري، أن يضيف إقرار القانون الجديد ما بين 1 إلى 1.5 نقطة إلى الناتج المحلي الإجمالي.

    بدلاً من تآكل الاحتياطي، سيتم تعزيزه عبر جلب تحويلات ومداخيل كانت تهرب عبر القنوات الموازية أو لم تكن تُصرّح بها.

رابعاً: موقف الأطراف المعنية

1. اللجنة البرلمانية للمالية (رئيسها ماهر كتاري): تسير المشروع بوتيرة سريعة، بدأت الاستماعات منذ فبراير 2026 للبنك المركزي ووزارة المالية والفاعلين الاقتصاديين والخبراء.

2. منظمة CONECT (الموقف الداعم): طالبت بـ "إصلاح جريء" وتقدمت بـ 41 ثم 42 مقترح تعديل، تركز على: تكريس الحرية كقاعدة، دمج الاقتصاد الرقمي، ووضع آجال قانونية للموافقات.

صرّح رئيسها: "قانون الصرف الجيد ليس الذي يفتح بلا رقابة، بل الذي يفتح بذكاء".

3. الجامعة والبنوك: حذر البعض من مخاطر التسرع، لكن اللجنة البرلمانية تبدو واثقة من أن اعتماد "المراقبة اللاحقة" هو الحل الأمثل.

خامساً: المراحل القادمة والجدول الزمني

حسب تصريحات ماهر كتاري في يونيو 2026:

  • استكمال جلسات الاستماع: تستمر لمدة شهر تقريباً.

  • يوم برلماني موسع: لاستعراض كل مقترحات التعديل.

  • التصويت: ستصوت اللجنة على النص "مادة بمادة" قبل إحالته إلى الجلسة العامة للبرلمان للمصادقة النهائية.

معظم الإجراءات الجديدة، وعلى رأسها فتح الحسابات بالعملة دون ترخيص مسبق، كانت قد دخلت حيز التنفيذ عبر قانون المالية لسنة 2026 اعتباراً من 1 جانفي 2026، بمجرد نشر نصوصه التطبيقية.

خلاصة

قانون الصرف الجديد في تونس هو مشروع طموح يُحدث قطيعة مع نظام رقابي صارم دام خمسين عاماً.

يقدم القانون إطاراً منفتحاً ومرناً مصمماً لعصر الرقمنة. يبدو أن فلسفة القانون هي "تحرر ذكي"، حيث تُستبدل رقابة "الترخيص المسبق" المعطلة برقابة "المواكبة اللاحقة" الفعالة.

تبقى الموافقة النهائية للمشروع في مجلس النواب المرتقبة خلال صيف 2026، الخطوة الحاسمة لانطلاق هذا التحول الاقتصادي.