شهدت تونس في ديسمبر 2025 نقلة نوعية في سياسة اقتناء السيارات، بإقرار البرلمان التونسي لفصل جديد ضمن قانون المالية لسنة 2026، يُعرف بالمادة 55، يمنح امتيازاً جبائياً للعائلات التونسية المقيمة يسمح لها بتوريد أو اقتناء سيارة جديدة أو مستعملة مرة واحدة في العمر، بشروط محددة .

جاء هذا التوجه التشريعي في ظل ارتفاع قياسي لأسعار السيارات في السوق المحلية، حيث تتراوح أسعار السيارات العادية بين 70 و80 ألف دينار (23.3–26.6 ألف دولار)، نتيجة الأداءات المرتفعة التي تصل إلى 200 و250% عند التوريد .

كما يعكس القانون حاجة اجتماعية ملحة في بلد لا تتجاوز فيه نسبة العائلات التي تمتلك سيارة خاصة 19% فقط، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء لسنة 2010 .

في هذا المقال، نقدم عرضاً موضوعياً لأحكام هذا القانون الجديد، وشروط الاستفادة منه، وآليات التمويل المتاحة، وآراء الخبراء والمهنيين حول جدواه وإمكانية تطبيقه على أرض الواقع.


أولاً: الإطار القانوني – المادة 55 من قانون المالية 2026

صدرت المادة 55 ضمن القانون عدد 17 لسنة 2025 المتعلق بقانون المالية لسنة 2026، والذي نُشر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 148 بتاريخ 12 ديسمبر 2025، بعد إصداره من رئيس الجمهورية قيس سعيد .

الهدف من القانون: تيسير اقتناء السيارات للعائلات التونسية في مواجهة ارتفاع الأسعار وضعف خدمات النقل العمومي، مع احترام التوازنات المالية للدولة وحماية احتياطي العملة الصعبة .

طبيعة الامتياز: إعفاء جبائي جزئي أو كلي، يُمنح للعائلة التونسية مرة واحدة فقط في العمر، سواء كان الاقتناء عبر التوريد من الخارج أو الشراء من السوق المحلية .


ثانياً: شروط الاستفادة من الامتياز الجبائي

حدد المشرع التونسي مجموعة من الشروط الموضوعية والإجرائية للاستفادة من هذا الامتياز، نوردها كما وردت في النص القانوني والتصريحات الرسمية:

1. شروط تتعلق بالعائلة

  • الاستفادة لمرة واحدة فقط: تُمنح هذه الميزة للعائلة مرة واحدة في العمر، وتشمل الأب والأم والأطفال المعالين دون سن 18 عاماً .

  • العزاب غير معنيين: يُستبعد الأشخاص غير المتزوجين من هذا الامتياز، فهو مخصص حصراً للعائلات .

  • عدم الاستفادة السابقة: لا يمكن الاستفادة من هذا الامتياز إذا كانت العائلة قد استفادت سابقاً من نظام "السيارة الشعبية" أو نظام FCR الخاص بالتونسيين بالخارج .

2. شروط تتعلق بالدخل

حدد القانون سقفاً للدخل الصافي للاستفادة من الامتياز، بهدف استهداف الفئات المتوسطة :

  • للفرد الواحد (أحد الوالدين): لا يتجاوز الدخل الصافي 10 أضعاف الأجر الأدنى المضمون (SMIG).

  • للزوجين معاً: لا يتجاوز الدخل الصافي 14 ضعف الأجر الأدنى المضمون.

يبلغ الأجر الأدنى المضمون في تونس حالياً حوالي 520 ديناراً (173 دولاراً) .

وبالتالي، فإن سقف الدخل للفرد الواحد هو حوالي 5,200 دينار شهرياً، وللزوجين حوالي 7,280 ديناراً شهرياً.

3. شروط تتعلق بالسيارة

  • عمر السيارة: لا يتجاوز 8 سنوات عند الاقتناء (سواء كانت السيارة جديدة أو مستعملة) .

  • عدم امتلاك سيارة أقل من 8 سنوات: لا يمكن الاستفادة من الامتياز إذا كانت العائلة تمتلك بالفعل سيارة يقل عمرها عن 8 سنوات .

  • سعة المحرك (للسيارات الحرارية): حدد القانون سعة المحرك وفقاً للنسخة المنشورة بالرائد الرسمي:

    • سيارات الديزل (Diesel): لا تتجاوز سعة المحرك 1,900 cm³ .

    • سيارات البنزين (Essence): لا تتجاوز سعة المحرك 1,600 cm³ .

(ملاحظة: هناك اختلاف في الأرقام بين المصادر؛ بعضها يشير إلى 1,400 cm³ للبنزين و1,700 cm³ للديزل ، بينما النص المنشور بالرائد الرسمي يذكر 1,600 cm³ للبنزين و1,900 cm³ للديزل .

المرجع المعتمد هو النص المنشور بالرائد الرسمي).

  • السيارات الكهربائية والهجينة: معفاة بالكامل من حقوق الاستهلاك، دون اشتراط سعة محرك معينة .

  • السيارات المجمعة محلياً: معفاة أيضاً من حقوق الاستهلاك .

4. حظر البيع (Clause d'incessibilité)

يمنع بيع السيارة التي تم اقتناؤها بموجب هذا الامتياز لمدة خمس سنوات من تاريخ الاقتناء، ويُذكر هذا الشرط صراحةً على بطاقة التعريف بالسيارة (carte grise) .

5. عدم التراكم مع أنظمة أخرى

لا يمكن الجمع بين هذا الامتياز وأي ميزة جبائية أخرى تتعلق باقتناء السيارات، مثل نظام FCR أو نظام السيارة الشعبية .


ثالثاً: الإعفاءات الجبائية – ما هي التخفيضات الممنوحة؟

حدد القانون نسب الإعفاء الجبائي على النحو التالي :

نوع السيارة

نسبة حق الاستهلاك (Droit de Consommation)

نسبة الضريبة على القيمة المضافة (TVA)

سيارات حرارية (بنزين/ديزل)

10% (بدلاً من النسب العادية التي تصل إلى 200% وأكثر)

7%

سيارات كهربائية وهجينة

إعفاء كامل (0%)

7%

سيارات مجمعة محلياً

إعفاء كامل (0%)

7%


رابعاً: آليات التمويل – كيف يمكن شراء السيارة؟

هذه النقطة هي الأكثر إثارة للجدل والتعقيد في القانون الجديد. فالقانون التونسي للصرف لا يسمح للمقيمين في تونس بتحويل العملة الصعبة إلى الخارج لشراء سيارة .

لذلك، حدد القانون ثلاث آليات تمويلية بديلة :

1. الهبة من تونسي مقيم بالخارج

  • الآلية: يقوم قريب للعائلة (أحد الوالدين، الأبناء، الإخوة) يقيم ويعمل بالخارج، بشراء السيارة و"إهدائها" للعائلة في تونس.

  • المقابل: يمكن للعائلة في تونس أن تدفع للقريب المقابل بالدينار التونسي داخل تونس (دون تحويل عملة صعبة إلى الخارج).

  • الإشكال: يُعتبر هذا الترتيب، وفقاً لبعض الخبراء، مخالفاً لقانون الصرف الذي ينظم عمليات المقاصة بين المقيمين وغير المقيمين .

2. الاعتماد على منحة السياحة (Allocation Touristique)

  • الآلية: يستفيد التونسي المقيم من "منحة سياحية" سنوية تسمح له بسحب مبلغ معين بالعملة الصعبة للسفر.

    حالياً، تبلغ هذه المنحة حوالي 6,000 دينار للفرد و12,000 دينار للزوجين .

  • الواقع: هذا المبلغ لا يكفي لشراء سيارة كاملة، بل يمكن استخدامه فقط كمساهمة جزئية في عملية الشراء .

3. ترخيص خاص من البنك المركزي

  • الآلية: يمكن للعائلة التقدم بطلب إلى البنك المركزي التونسي (BCT) للحصول على ترخيص استثنائي بتحويل العملة الصعبة لشراء السيارة.

  • الضوابط: يتم منح هذا الترخيص في إطار الحصة السنوية المحددة (10% من إجمالي سيارات التوريد)، وتحت رقابة صارمة .


خامساً: الحصة السنوية – كم سيارة يمكن استيرادها؟

حدد القانون نسبة الانتفاع بالامتياز بما لا يقل عن 10% من مجموع السيارات المرخص بتوريدها سنوياً .

التحليل العددي:

  • بلغ عدد السيارات المروجة في السوق التونسية خلال الأشهر العشرة الأولى من 2025 حوالي 77,112 سيارة .

  • إذا طبقنا نسبة 10%، فإن عدد السيارات التي يمكن استيرادها بموجب هذا الامتياز سنوياً يتراوح بين 7,000 و8,000 سيارة كحد أقصى .

  • مقارنة بعدد العائلات التونسية التي لا تمتلك سيارة (حوالي مليون عائلة)، فإن هذا الرقم يعني أن استيفاء جميع العائلات سيستغرق حوالي 180 عاماً .


سادساً: آراء الخبراء والمواقف الرسمية

1. موقف الحكومة – تحفظات وزارة المالية

رغم تمرير الفصل، عبرت وزيرة المالية، مشكاة سلامة الخالدي، عن تحفظاتها، مؤكدة أن التشريع العام التونسي "لا يمنح المواطن حق التوريد"، وأن تفعيل الفصل يتطلب مراسيم وقوانين ترتيبية .

كما شددت الوزيرة على أن البلاد تواجه "حاجة ملحة للحفاظ على العملة الصعبة"، وأن الأولوية يجب أن تذهب لقطاعات الطاقة والحبوب والتوريد الحيوي، في إشارة إلى مخاوف من أن يؤدي الإجراء إلى ضغوط إضافية على الميزان الخارجي .

2. آراء الخبراء الاقتصاديين

رضا الشكندالي (خبير اقتصادي): وصف الامتياز بأنه "جذاب في ظاهره" لكنه شديد التعقيد وقد يكون محدود الأثر على أرض الواقع.

وأضاف أن غالبية العائلات المستهدفة غير قادرة فعلياً على توريد سيارة رغم الامتياز الجبائي، وأن الفصل أقرب إلى "سراب تشريعي" يلهث خلفه المواطن دون أن يصل إليه .

محمد صالح الجندي (خبير اقتصادي ومالي): أشار إلى أن الإشكالية الأساسية هي قانون الصرف، الذي لا يسمح للتونسي المقيم بتحويل العملة الصعبة.

كما انتقد حصر الاستفادة في 10% من حصة التوريد، معتبراً أن ذلك يجعل القانون تطبيقياً على 6,000 سيارة فقط سنوياً .

3. موقف وكلاء السيارات (Concessionnaires)

إبراهيم دباش (رئيس الغرفة النقابية الوطنية لوكلاء ومصنعي السيارات): اعتبر أن القانون قد يكون مخالفاً لقانون الصرف، محذراً من أن عملية التمويل عن طريق هبة الأقارب بالخارج تُنشئ علاقة غير قانونية.

كما حذر من أن استيراد سيارات يصل عمرها إلى 8 سنوات يتناقض مع أهداف الدولة في تحديث أسطول السيارات والانتقال الطاقي، وسيؤدي إلى طلب كبير على قطع الغيار المستعملة .

مهدي محجوب (عضو المكتب التنفيذي لنفس الغرفة النقابية): وصف القانون بأنه "جذاب لكن صعب التطبيق"، مشيراً إلى أن العقبة الرئيسية تبقى في قانون الصرف وإمكانية الحصول على العملة الصعبة .

4. موقف البرلمان – تأييد مع تحفظات

دافع عدد من البرلمانيين عن الفصل، معتبرين أنه يستجيب لحاجيات اجتماعية ملحة. قال نائب رئيس لجنة التخطيط والنقل، ثامر مزهود، إن "العائلات التي لها أطفال وتسافر بين العمل والمدرسة لا يمكنها الاعتماد على نقل عمومي رديء وغير منتظم" .

كما أكد النائب ماهر القطاري أن الهدف من القانون هو تشجيع المواطنين على التوجه نحو السيارات الجديدة، وخفض الأسعار في السوق المحلية .


سابعاً: التحديات والإشكالات العملية

استناداً إلى آراء الخبراء والمهنيين، يمكن إجمال التحديات الرئيسية التي تواجه تطبيق هذا القانون في النقاط التالية:

1. إشكالية العملة الصعبة وقانون الصرف

هذا هو التحدي الأكبر. قانون الصرف التونسي الحالي لا يسمح للمقيمين بتحويل العملة إلى الخارج لشراء سيارة.

الآليات البديلة المقترحة (هبة الأقارب، منحة السياحة) إما أنها غير كافية مالياً، أو قد تُعتبر مخالفة لنصوص قانون الصرف .

2. الحصة السنوية المحدودة

نسبة 10% من سيارات التوريد تعني أن عدد المستفيدين الفعليين سيكون محدوداً جداً (حوالي 7,000-8,000 سيارة سنوياً)، وهو رقم ضئيل مقارنة بالطلب الاجتماعي الهائل (نحو مليون عائلة لا تمتلك سيارة) .

3. تعقيد الإجراءات الإدارية

يتطلب القانون إصدار نصوص تطبيقية من وزارات المالية والتجارة والبنك المركزي، في أجل أقصاه 6 أشهر من تاريخ نشر القانون (أي حتى يونيو 2026).

بدون هذه النصوص، يبقى القانون حبراً على ورق .

4. شرط عدم امتلاك سيارة أقل من 8 سنوات

هذا الشرط يستبعد شريحة كبيرة من العائلات التي تمتلك سيارة قديمة (أكثر من 8 سنوات) أو متوسطة العمر، مما يحد من قاعدة المستفيدين .

5. مخاوف وكلاء السيارات

يرى وكلاء السيارات أن هذا القانون قد يشجع السوق الموازي، ويُدخل سيارات غير مطابقة للمواصفات أو مجهولة المصدر، ويفرض أعباء تقنية وصيانة إضافية على الدولة .


ثامناً: الخطوات الإجرائية المستقبلية

حتى تاريخ كتابة هذا المقال (يونيو 2026)، فإن النصوص التطبيقية للقانون لم تصدر بعد بشكل نهائي.

الإجراءات المتوقعة هي كما يلي :

  1. إصدار النصوص الترتيبية: تقوم وزارات المالية والتجارة والبنك المركزي بإصدار مراسيم وقرارات مشتركة تحدد آليات التنفيذ التفصيلية.

  2. تقديم الطلب: تتقدم العائلة الراغبة في الاستفادة إلى الوزارة المعنية (المرجح وزارة التجارة) بملف يثبت استيفاء الشروط (شهادة الإقامة، شهادة عدم التملك، إثبات الدخل، إثبات العلاقة العائلية مع المانح إذا تطلب الأمر).

  3. الرد على الطلب: تلتزم الإدارة بالرد على الطلب في أجل أقصاه 3 أشهر من تاريخ تقديمه .

  4. شراء السيارة: بعد الحصول على الموافقة، يتعين على العائلة إتمام عملية الشراء في أجل أقصاه سنتان، إما عن طريق وكيل معتمد في تونس أو عن طريق قريب بالخارج أو بترخيص من البنك المركزي.


خلاصة

قانون السيارات الجديد في تونس (المادة 55 من قانون المالية 2026) هو محاولة تشريعية جريئة لمعالجة أزمة اجتماعية حقيقية تتمثل في غلاء أسعار السيارات وضعف النقل العمومي.

النص القانوني يحمل وعوداً كبيرة: إعفاءات جبائية تصل إلى 90% من حقوق الاستهلاك، وفرصة لكل عائلة لاقتناء سيارة حديثة بأسعار معقولة.

لكن الواقع العملي، وفقاً لآراء الخبراء والمهنيين، يطرح علامات استفهام كبيرة حول إمكانية التطبيق.

فإشكالية العملة الصعبة، محدودية الحصة السنوية، غياب النصوص التطبيقية، وتعقيد الإجراءات الإدارية، كلها عوامل قد تحول هذا القانون من "حلم تحقق" إلى "سراب تشريعي" يظل بعيد المنال عن غالبية العائلات التونسية .

يبقى المواطن التونسي اليوم في انتظار صدور النصوص الترتيبية لتوضيح الرؤية، وتحديد ما إذا كان هذا القانون سيُحدث فرقاً حقيقياً في قدرته على امتلاك سيارة، أم سيبقى مجرد "وعد انتخابي" طواه التعقيد الإداري والمخاوف الاقتصادية.